ابن أبي الحديد
65
شرح نهج البلاغة
وأيضا فإنها لفظ واحد مفرد معرف بلام الجنس ، والأصل في مثل ذلك أن يفيد الجنسية المطلقة ، ولا يفيد الاستغراق ، فإن جاء منه شئ للاستغراق ، كقوله : " إن الانسان لفي خسر " ( 1 ) ، وأهلك الناس الدرهم والدينار ، فمجاز ، والحقيقة ما ذكرناه . فأما قوله : البلوغ المشارفة : يقال : بلغت المكان إذا أشرفت عليه . فالأجود أن يقول قالوا : بلغت المكان ، إذا شارفته ، وبين قولنا : " شارفته " ، و " أشرفت عليه " فرق . وأما قوله : " وإذا لم يشرف على حمده بالقول فكيف يوصل إليه بالفعل ! " ، فكلام مبني على أن الحمد قد يكون بالفعل ، وهو خلاف ما يقوله أرباب هذه الصناعة . وقوله : والإله مصدر بمعنى المألوه ، كلام طريف ، أما أولا ، فإنه ليس بمصدر ، بل هو اسم كوجار للضبع ، وسرار للشهر ( 2 ) ، وهو اسم جنس كالرجل والفرس ، يقع على كل معبود بحق أو باطل ، ثم غلب على المعبود بالحق ، كالنجم اسم لكل كوكب ، ثم غلب على الثريا ، والسنة : اسم لكل عام ، ثم غلب على عام القحط . وأظنه رحمه الله لما رآه " فعالا " ظن أنه اسم مصدر كالحصاد والجذاذ وغيرهما . وأما ثانيا ، فلان المألوه صيغة " مفعول " وليست صيغة مصدر إلا في ألفاظ نادرة ، كقولهم : ليس له معقول ولا مجلود ، ولم يسمع " مألوه " في اللغة ، لأنه قد ألفاظ نادرة ، كقولهم : ليس له معقول ولا مجلود ، ولم يسمع " مألوه " في اللغة ، لأنه قد جاء : أله الرجل إذا دهش وتحير ، وهو فعل لازم لا يبنى منه مفعول . * * * ثم قال الراوندي : وفي قول الله تعالى : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " ، بلفظ الافراد . وقول أمير المؤمنين عليه السلام : " لا يحصي نعماءه العادون " بلفظ الجمع سر عجيب ، لأنه تعالى أراد أن نعمة واحدة من نعمه لا يمكن العباد عد وجوه كونها نعمه . وأراد أمير المؤمنين عليه السلام أن أصول نعمه لا تحصى لكثرتها ، فكيف تعد
--> ( 1 ) سورة العصر 1 . ( 2 ) السرار : بالفتح والكسر : آخر ليلة من الشهر